عمر فروخ
196
تاريخ الأدب العربي
الشعر الأندلسيّ ، لأنّ دراسة الفلسفة نفسها قد تأخّرت في الغرب الإسلاميّ عنها في الشرق الإسلاميّ ، ولأنّ سيادة مذهب دينيّ واحد ( هو المذهب المالكيّ ) لم يشجّع على إبداء الآراء المختلفة كما كان الشأن في المشرق مع تعدّد المذاهب والأديان والفلسفات . ولا شكّ في أنّنا نجد في الشعر المغربيّ عامّة ، في باب الأدب ( الحكمة ) ، خطرات من الفكر المثقّف قد تبلغ إلى ما عند ابن الروميّ وعند المتنبيّ أحيانا . ولكنّنا لا نجدها تبلغ - من حيث القصد والمنطق والشمول والجرأة الصحيحة - إلى ما نجد عند أبي العلاء المعرّيّ . غير أنّه كان لانتشار المذهب الفاطميّ ( وهو مذهب باطنيّ حلوليّ ) « 1 » في المغرب - ولدى نفر قليلين من الأدباء المتكسّبين - أثر في تقبّل عدد من المدارك الخارجة عن التوحيد . من أشهر هؤلاء الأدباء الشاعر ابن هاني الأندلسيّ ( ت 362 ) فقد قال في مدح المعزّ لدين اللّه الفاطميّ ( 341 - 365 ه ) : ما شئت ، لا ما شاءت الأقدار ! * فاحكم ، فأنت الواحد القهّار ! وسوى ذلك ممّا تراه في ترجمته . ولا شكّ في أنّ الوصف - وصف الطبيعة - كان أبهى مظاهر الشعر الأندلسيّ ، لجمال البيئة الطبيعيّة في الأندلس ولتنوّع مظاهرها . ومع الإيقان بأنّ الأندلسيّين كانوا بارعين جدّا في وصف الجنان والأنهار والأشجار والأزهار وفي وصف السماء وما فيها ، فإنّهم لم يكسفوا في ذلك نور ابن الروميّ ( ت 283 ) وابن المعتزّ ( ت 296 ) والصّنوبريّ ( ت 334 ) في ذلك الفنّ ولا في أغراضه . ببد أنّ هذا كلّه لا يمنع الدارس من أن يكون منصفا فيرى للأندلسيّين في وصف الطبيعة - وفي غير وصف الطبيعة - خيالا جميلا ولفتات كثيرة بارعة . غير أنّ تزاحم الصّور أحيانا ثمّ محاولة الإغراب أحيانا أخرى كانا يفقدان تلك الأخيلة كثيرا من وضاءتها . هذا الوصف
--> ( 1 ) الفاطمي ، الباطنيّ ( انظر ، فوق ، ص 170 ) . مذهب الحلول : الاعتقاد بأن اللّه يمكن أن يتمثّل بالبشر ، يحل في جسم بشريّ .